محمد بن جرير الطبري

111

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الموت سلبها المنافق لأَنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ هي لا إله إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا بها دماءهم حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون . وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ قال : أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به ؛ وأما الظلمات ، فهي ضلالتهم وكفرهم . وقال آخرون بما : حدثني به محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ قال : أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى ؛ وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة . وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ أما إضاءة النار : فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى ؛ وذهاب نورهم : إقبالهم إلى الكافرين والضلالة . حدثني القاسم ، قال : حدثني الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : ضرب مثل أهل النفاق فقال : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً قال : إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها ، فإذا خمدت ذهب نورها ، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإِخلاص أضاء له ، فإذا شك وقع في الظلمة . وحدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً إلى آخر الآية . قال : هذه صفة المنافقين ، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإِيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا ، فذهب الله بنورهم ، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون . وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك ، وما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقص قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله : مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ لا المعلنين بالكفر المجاهدين بالشرك . ولو كان المثل لمن آمن إيمانا صحيحا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحا على ما ظن المتأول قول الله جل ثناؤه كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أن ضوء النار مثل لإِيمانهم الذي كان منهم عنده على صحة ، وأن ذهاب نورهم مثل لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة ؛ لم يكن هنا لك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفاق ، وأنى يكون خداع ونفاق ممن لم يبدلك قولا ولا فعلا إلا ما أوجب لك العلم بحاله التي هو لك عليها ، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها ؟ إن هذا بغير شك من النفاق بعيد ومن الخداع بريء ، فإن كان القوم لم تكن لهم إلا حالتان : حال إيمان ظاهر وحال كفر ظاهر ، فقد سقط عن القوم اسم النفاق ؛ لأَنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين ، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين ، ولا حالة هناك ثالثة كانوا بها منافقين وفي وصف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق ما ينبئ عن أن القول غير القول الذي زعمه من زعم أن القوم كانوا مؤمنين ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه ، إلا أن يكون قائل ذلك أراد